بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 9 مايو 2013

سمير ابن الحلاق

كان سمير هو أضخمنا حجماً، وشكله لم يختلف كثيراً عن معظم من هم في مثل وزنه وسنه، فمعظمهم يحملون ملامح طيبة، ويلبسون ملابس لا تلائم حجم أجسادهم، وغالباً ما يكون هذا بسبب ضيق الحال، كان وزنه هذا يسبب له العديد من المشاكل معنا، فلم يكن يمر علينا يوم دون ممارسة الألعاب المستفزة ضده. فبسبب الوزن الزائد له كان يتحرك بصعوبة، ولا يستطيع مجارتنا في اللعب والحركات السريعة، ولكن هذا لم يكن كافٍ لنا فقد كنا نورطه في العديد من المواقف المحرجة وخصوصاً مع عم سعيد، فعندما كنا نصعد إلي سطح المنزل لكي نلعب بالطائرات الورقية كان يصعد معنا سمير ويجلس بدون طائرة لأنه لا يملك مهارة استخدامها، وبحكم أن عم سعيد يسكن في الدور الأخير، فقد كانت حركتنا فوق السطح تسبب له مشاكل عديدة، وإزعاج شديد ويرفض تماماً وجودنا فوقه –السطح طبعاً- ويثور بسبب أصوات أقدامنا لأنها غالباً تحرمه من قيلولة ماقبل المغرب، وبمجرد صعوده لكي ينهرنا –كالعادة- كنا نورط سمير في الموقف، فنقول تباعاً:
سمير ابن الحلاق هو السبب.
فيرد أخر :
أيوة هو أكتر واحد مليان فينا ورجليه هي اللي بتعمل صوت عالي.
وألحقه أنا قائلاً:
والله أنا لسه بقوله بلاش تعمل دوشة علشان منضايقش عمك عيد .. بس هو مسمعش كلامي.
فينكر سمير تماماً: والله ياعم عيد أنا ماليش دعوة .. ده انا حتى معاييش طيارة زيهم وقاعد بس بتفرج عليهم.
فيزيد انفعال عم عيد ويرد: عموماً أنا ليا كلام تاني مع أهاليكم .. ياللا انزلوا من هنا.
ولكن أكثر ماكان يسبب إزعاج لسمير هو وصفه بابن الحلاق، فبرغم أن معظم الأباء كانوا من أصحاب الأعمال اليدوية، إلا أن سمير الوحيد الذي كان ينزعج من وصفة بمهنة أبيه وبالرغم من عدم معرفتنا سبب ضيقه من مهنة أبيه إلا أننا دائماً ماكنا نستخدم هذا الضيق ضده، حتي أنني أتذكر تلك المرة التي تشاجرنا فيها، وعندما فشلت في ضربه وأوقعني أرضاً لجأت إلي الطريقة الوحيدة التي تثير غضه وقلت له:
وحياة أمك ما هسيبك يابن الحلاق.
فما كان منه إلا ان توقف مرة واحدة عن الشجار وجلس في مكانه علي الأرض وأخذ في البكاء، ورغم صغر سننا جميعاً إلا ان كلمتي تسببت في صمت كل الأولاد من حولنا، وعلمت أنها أدت المطلوب منها وجرحته بشدة، ورغم ذلك لم أشعر أنني تغلبت عليه، وبعد دقائق قليلة ذهبت إليه كي أطيب خاطره.
استمرت مضايقتنا له حتي أصبح مقل جدًا في التواجد، وظننا أنه مل من طريقتنا في معاملته  وقرر الانسحاب، حتي علمنا ان أمه مريضة، وأن هذا هو سبب قلة تواجده معنا، فعندما سألناه قال أنه يجلس بجوارها معظم الوقت عندما يكون أبيه في المحل، وبطبيعه الحال لم نكن نعلم -وسمير أيضاً- شيئاً عن حجم المرض ومدى خطورته، ولكن كل واحد منا كان يسمع أمه وأبيه وهم يتحدثون عن مرضها بعد زيارة قصيرة لها بين الحين والأخر، وكانوا يقولون عبارات تشير إلى أن مرضها ليس بهين، وبالتالي عرفنا كلنا حجم مرض أم سمير، ماعدا سمير .. فهو لم يكن يملك مثلنا مصدر يعرف من خلاله حاله أمه، وعندما كنا نسأله عن حالتها كان يقول:
كويسة هي بس بتنام كتير .. بس أبويا بيقول إنها كام يوم وترجع زي الأول.
خلال تلك الفترة كنا نتحاشى إزعاج سمير بشكل تلقائي، فكلنا أصبحنا أكثر لطفاً في المعاملة معه ولكن الغريب في الأمر أن هذا لم يكن له أي انطباع إيجابي عليه، فقد أصبح أكثر عدوانية وهجوماً علي كل من يحاول مداعبته، بالرغم من أن تلك المحاولات كانت تتم بشكل لطيف وبدون إهانة، وكأنه شعر أن مرض والدته سبب له نوع أخر من الانكسار وتحول من نداً لمن يضايقه إلي شخص يستحق شفقة من هم في مثل سنة بل في نفس ظروفة احياناً. ولكن الأكيد أن تلك المشاعر كانت كبيرة علي إدراكنا الصغير.
مع قلة ظهور سمير، بدأ اسم ابن الحلاق يقل ذكره تدريجياً، فسمير هو الابن الوحيد ولا يوجد شخص آخر ينزعج من هذا الاسم لكي نناديه به، حتى فيما بيننا فعندما كان أحدنا يسأل عنه كان يسأل عن سمير وليس سمير ابن الحلاق، وكأننا أدركنا أنه لم يعد هناك داعٍ لمضايقته، فهو يحمل من الضيق مايكفيه، أما بالنسبة لهذا الضيق الذي يحمله فلم يكن يتجاوز -في وجهة نظرنا- كونه غير قادر على التواجد واللعب معنا.
لم تطل فترة مرض أم سمير، حتي عم السواد جميع أنحاء البيت وتحول البيت لخيمة عزاء كبيرة، تجمعت الأمهات والبنات فوق سطح البيت بعد فرشه ببعض الحصائر والأكلمة البلدية، أما الرجال فكان مدخل البيت مكان مناسب لهم تماماً، أما نحن فسلطة كوننا أولاد صغارجعلت كل الأماكن مفتوحة أمامنا نلعب فيها كيفما نشاء. استمرت حالة الحداد عدة أيام وتحول بيتنا إلى مزار كبير لكل سكان الشارع وبعض الشوارع المجاورة، فأبو سمير كان علي علاقة طيبة بالجميع، وبعد عدة أيام انتهت تلك الحالة وأصبح مدخل البيت فارغ من الضيوف ونزلت الأمهات حاملين الحصائر والأكلمة، وصعدنا نحن فوق السطح لكي نلعب بالطائرات الورقية ونشاكس العم سعيد، ولكن سمير لم يكن معنا فلقد فتح أبوه المحل بعد أن كان أغلقه ليتفرغ للزائرين والمعزيين، ولأول مرة أرى  سمير يرتدي طاقية بيضاء تغطي رأسه وتضغطه لتجعله غير متناسب مع حجم جسده الضخم ويقف بجوار أبيه يساعده في العمل ويتعلم منه، وعندما لمحته داخل المحل ودخلت لأحييه انتبهت أن شفتيه يعلوها بعض الشعيرات الصغيرة، وتفاجأت بها حيث أن هذه أول مرة أنتبه لها.
سمير ابن الحلاق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق