بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 9 مايو 2013

"مأساة أستك أصفر"



دفعتني الأقدار يومئذ أن أجالسهم، لا أقصد صفوة المجتمع وطبقة "الكريما"، وإنما أعني بعض أبناء الطبقة المتوسطة العليا ممن تلقوا تعليمهم بمدارس اللغات والجامعات الخاصة، أو حتى جامعات الخارج ذات التكاليف المعقولة كتركيا مثلاً.
 ذهبت وأنا أحاول لملمة خطواتي لئلا يظهر للعيان هذا القطع اللعين فى حذائي المتهالك، متظاهرًا بقلة التدين حتى لا أتورط فى مشاركتهم صلاةً تفضح جوربي المهترئ الذى يكشف أكثر مما يخفي!
 جلست فى انتظارهم لساعات طويلة مقاومًا أفواج المثلجات والآيس كريم والوجبات السريعة الشهية التي تتدفق بسخاء على الطاولات الأخرى، أما طاولتى فقد استقر عليها كوب شاي لم أطلبه اشتهاء، بل عشمًا فى أصالته وهوادة تكلفته.
أفزعتني أناقة البشر من حولي وفخامة المكان ونقاء الهواء، فحاولت الهرب من هذا الفزع، ولم أجد سلوتي وسط هذا الرقي الموحش سوى فى عِدة موبايلي الأصيل المتواضع، هذا الهاتف الذى كنت "أتفشخر" به وأتعمد العبث به والانشغال بما فيه طيلة مجالساتي مع أقراني من أبناء قاع المجتمع! لم أتصور بتاتًا أن يأتي يوم فأتحرج من وضاعته! اليوم فقط لاحظت إكسسواراته: قطعة من الكرتون المقوى أستخدمها كـ"تخشينة" للبطارية المستعارة ، سماعة طُمست هويتها بشريط "شكَرْتُون" لاصق، و«أستِك أصفر صغير» ملفوف حول الهاتف ليساعد على تثبيت وصلة السماعة به!
 أخرجت هاتفي خِفية وبدأت توصيل السماعة بحرص عازمًا مفارقة هذه الوحشة، لأسبح فى بحور النغم والموسيقى، وأثناء إبحارى لمحت طلائع الفوج الذى أنتظره آتية من غير بعيد، فخلعت السماعة بعجل شديد، وفككت «الأستك» الذى طالما لازم هاتفى خوفًا من أن يطلب أحدهم تبادل الأرقام فجأة! تحرَّجت من «الأستك الأصفر» وتبرأت منه، خذلته مع أنه لم يخذلنى مرة، ولم ألحظ حينئذ أنني برمتُه ودفسته فى الجيب المقطوع!
 أُنهِي اللقاء حين أرادوا هم، لا حين أردتُ، فغادرته بارتياح شديد، أخيرًا جاء الفرج! ياااه! أسرعت للحاق بأول أتوبيس نقل عام لرِخَص تذكرته، جلست على المقعد المتاخم للنافذة، وبدأت ممارسة هوايتي الأزلية: «مراقبة البشر»، فأنا عاشق لحياة البشر بكل تعقيداتها وتفصيلاتها وواقعيتها، مهما بلغت قذارتها وبؤسها!
 أخرجت هاتفي لأستمتع بهذه النزهة شبه المجانية عبر شوارع القاهرة بأبنيتها القديمة الجميلة عميقة القيمة، وأبنيتها الحديثة الموحشة عديمة المعنى! لم أجد «الأستك الأصفر» حوله، تحسست جيوبى، فحصتها بعناية دون جدوى، تذكرت القطع الواسع، وتبيَّنت أن «الأستك» قد سقط مني! يا حسرتاه! كم أنا نذل قليل الأصل! هذا «الأستك» عاش لي أصيلاً حتى خذلته؛ فخذلني، تبرأت منه؛ ففارقني، تحرَّجت منه؛ فضاع مني للأبد!
 من أين لي الآن بـ«أستك» آخر فى هذه الغربة! من أين أستطيع الحصول على مثيل له! دفست رأسي بين راحتي يدي تحسرًا على ضياع فرصة الاستمتاع بهذه النزهة والحرمان من الموسيقى رُبما لأجل غير مسمى، ولحين إشعار آخر، أو ربما عودة أخرى إلى بلدتي التي لا أتحرَّج فيها من سؤال أصحاب دكاكينها المتواضعة عن «أستك أصفر»!
أثناء سرحتي الطويلة ناظرًا بين قدمَي وجدت أستكًا آخر يتمرمغ فى التراب تحت الكرسي .. يا الله! فُرجَت وكُنت أظنها لا تُفرَج! نظرت حولي بحذر وهممت بالانحناء، فإذا بفتاة أنيقة جميلة قادمة تجلس بجانبي! تراجعت بسرعة! أحسست أن الانحناءَ لالتقاط «أستك أصفر» من على الأرض أمامها فعلٌ مشينٌ وغير متحضر! وجال بخاطري أنها قد تنزل فى محطة قبلي! فقررت الانتظار. 
 مرت المحطات واحدة تلو الأخرى واقتربت محطة نزولي، لكنها لم تنزل! يا للحظ الأسود! الكارثة إن كانت ستنزل فى آخر الخط، هذا يعنى السير لعدة كيلومترات على الأقدام لأعود إلى سكني المغترب!
 مهما كان .. إن مهمة السير على الأقدام بحثًا عن أستك أصفر أشق من السير بعد العثور عليه!
جاءت المحطة الأخيرة، همَّ الجميع بالنزول ومعهم الفتاة، تابعت نزولهم جميعًا، ثم انحنيت برفق وحذر إلى الأرض لألتقط ضالتي، وجدته «أستك مقطوع»!

"مأساة أستك أصفر"


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق